العودة   منتديات المهدي > ~ المنتديات الرئيسية ~ > منتدى علوم وأخبار وحقائق الاقتصاد
التسجيل الصفحة الرئيسية اجعل جميع المنتديات مقروءة

         :: قل هاتوا برهانكم هذا ذكر من معي وذكر من قَبلي (آخر رد :مضر الحمراء)       :: تمعنوا في خريطة تلك الأرض بالجهة اليسار ، ماذا تشبه ؟ (آخر رد :مضر الحمراء)       :: من هنا تقف على كل ما كتب في الزلازل التي هي علامة على تحقق بعث المهدي (4) (آخر رد :نجم الجنوب)       :: تصديقات الرب القوي لما قاله اتباع دعوة الحق والمهدي (2) (آخر رد :مـحـب المهـديـة)       :: القمح من تحت اللعنات .. (آخر رد :مضر الحمراء)       :: كل مخلوقات الله غاضبة من فساد العالم . (آخر رد :مضر الحمراء)       :: موقع الكتروني رسمي للفتاوى في بلاد الطراطير (آخر رد :مضر الحمراء)       :: البترول النعمة حين ينقلب نقمة على أهله . (آخر رد :مضر الحمراء)       :: غضب الله تعالى بالحرائق في كل مكان (4) (آخر رد :مضر الحمراء)       :: سلمان العودة وآخر انكشافاته . . (آخر رد :مـحـب المهـديـة)       :: أنظر من هنا الشرك الأكبر في بلاد آل طرطور (آخر رد :مـحـب المهـديـة)       :: توقعات بأمطار «فيضانية» على عسير وجازان (آخر رد :المتواضع)       :: جدال الخوف من الاسلام و " مسجد جراوند زيرو " (آخر رد :مضر الحمراء)       :: هل على الأنهار حمى يا رب ، هل على الأنهار غضبك.. (آخر رد :المتواضع)       :: العذاب بالمطر نبوءة الله تعالى العالمية ... (2) (آخر رد :مضر الحمراء)      

رد
 
أدوات الموضوع طرق مشاهدة الموضوع
  #1  
قديم 12-12-08, 05:31 مساء
عبد السلام عبد السلام غير متواجد حالياً
مشرف
 
تاريخ التسجيل: Oct 2003
المشاركات: 4,264
كتاب - نهاية الغذاء - الحلقة: (1)


رواية عمرها قرن تصيب الأميركيين بالرعب والغثيان


يكتسب هذا الكتاب مصداقيته من المنطلق الذي يصدر عنه والآراء، والاجتهادات الفكرية التي يطرحها، ومن واقع الكتاب الذي سبق للمؤلف إصداره منذ 4 سنوات وعالج فيه بمنطق التحليل العلمي ـ الإحصائي أوضاع اقتصاديات النفط، محذرا من مغبة الأزمات النفطية التي يعانيها العالم حاليا، وجاء ذلك الكتاب بعنوان «نهاية النفط».

أما أطروحات كتابنا فتدور حول ما يوصف ب«قانون الغلة المتناقصة» الذي قد تجسده الحكمة التراثية العربية التي تقول بأن لكل شيء إذا ما تم نقصان، وبمعنى أن الإفراط المتسارع في إنتاج الأغذية لزيادة العرض وتقليل التكاليف يمكن أن ينطوي على مخاطر تضر بصحة البشر والحيوان من ناحية فيما تصيب موارد الطبيعة فوق كوكبنا بعوامل الإجهاد والتشويه من ناحية أخرى.

وفي ضوء الأزمات المستحكمة التي منيت بها الأشهر الأخيرة من عام 2008 الأنظمة المصرفية والاقتصادية في أميركا ومن ثم في أنحاء شتى من عالمنا، تكتسب تحذيرات وحسابات وتقديرات هذا الكتاب قدرا أكبر من الأهمية والمصداقية خاصة وأن الغذاء ـ مثل الهواء ـ عامل من ألزم ما يكون لبقاء البشر واستمرار الحياة على ظهر كوكبنا.

هذا كتاب تحذيري من الدرجة الأولى. ولكن كاتبه لا يلجأ إلى لغة الإنذار مهددا بالويل والثبور، إنما ينطلق تحذيره من واقع جهود في البحث العلمي مدعوما بالتقصي الإحصائي في إطار محاولة جادة ودءوبة لاستشراف آفاق المستقبل.

وينصب التحذير على مشكلة حالة بمعنى راهنة بل ومتزايدة الوطأة إلى حد التفاقم، وهي مشكلة الغذاء، بمعنى لقمة العيش التي تسد الرمق وتقيم الأود وتبقي حياة الكائن الحي فوق سطح الأرض. والتحذير يتخذ الشعار ـ العنوان الذي يتصدر غلاف الكتاب، وهو عنوان دال يتلخص في كلمتين هما نهاية الغذاء والمؤلف يتسم في نظر النقاد والمحللين بقدر لا ينكر من المصداقية حين أصدر من 4 سنوات كتابه الشهير بعنوان شهير هو: نهاية البترول وكان بدوره يحذر من الاستسلام إلى آفة الركون إلى أن إمدادات النفط كنز لا يفنى ولن يؤول إلى نضوب، الأمر الذي يستوجب بداهة ترشيد التعامل مع هذه العطيّة النفطية التي أفاءها الله سبحانه على الإنسان كيما يعمر بها الكون ويدير بفضلها عجلة النمو ونهضة الحياة.. شأنها شأن كل الموارد التي يحفل بها كوكبنا، وفي مقدمتها طبعا مورد الماء.. الذي يوصي تراثنا الروحي المستنير بأن نقتصد في التعامل مع موارده ولو كنا على نهر جار.

وحين أصدر بول روبرتس كتابه عن «نهاية النفط» صنفوه في خانة المتشائمين ولكن ها هو العالم ـ الغرب بالذات في أوروبا وأميركا ـ يستشعر وطأة تقلب أسعار البترول التي باتوا يعايشونها ابتداء من أحوال البورصات وليس انتهاء بمحطة ريفية نائية لتزويد سيارة عتيقة بالبترول.

من جانبنا قد نسلك هذا الكتاب في خانة ذلك الجنس الأدبي الذي ساد مع سنوات الثلث الأخير من القرن العشرين ـ وربما بدأ على استحياء بكتابات تاريخية ـ جرى تجسيدها في أعمال متلفزة رصينة تحت عناوين من قبيل «نهاية الإمبراطورية» وكانت تنصرف بالذات إلى وقائع غروب الكيان الإمبريالي البريطاني الذي بدأ بحركة الكشوف الجغرافية ومن ثم الاستعمار البريطاني لأصقاع شاسعة من آسيا وأفريقيا ولكن صدر عليه حكم الزوال التاريخي في معارك السويس عام ,1956. إلى أن سلّم آخر معاقله الإمبراطورية ـ هونغ كونغ الصينية مع نهاية القرن الماضي.

هذا «النوع» من الأدبيات الفكرية بلغ ذروته في تصورنا مع كتاب «نهاية التاريخ» الذي أصدره فرانسيس فوكوياما في فاتح تسعينات القرن ليسجل فيه أكثر من نهاية. سواء كانت للحرب الباردة أو الاتحاد السوفييتي.

ثم ها هو مؤشر الاهتمام يتحول مع مؤلف هذا الكتاب من نهاية البترول إلى نهاية الغذاء، وهو تحول خطير بكل معنى، من مجرد كمية النفط في مستودع المركبة أو الماكينة.. إلى لقمة العيش التي نضعها في أفواهنا على نحو ما يقول الناقد جون إيدج في عرضه لهذا الكتاب الصادر مع صيف العام الحالي (نيويورك تايمز ـ ملحق الكتب 27/ 7/ 2008).

ويحسب للمؤلف أنه عكف على إعداد ونشر كتابه في غمار الأزمة الراهنة التي لا شك تحتاج أجزاء شتى من العالم، يستوي في ذلك مجتمعات الوفرة في أميركا حيث المنافسة في الانتخابات الرئاسية باتت تتمحور حول أزمة الاقتصاد الراهنة التي تهدد ـ كما تقول الشعارات السياسية المرفوعة صحن العشاء الذي يضعه المواطن الأميركي العادي على مائدة مطبخه في كل مساء أو المجتمعات الأفقر حيث شهدت المكسيك المجاورة احتجاجات جماهيرية عارمة ضد ارتفاع أسعار الأغذية وحملت عنوان «انتفاضة التورتيا» وهي مرادف الرغيف في المجتمع العربي.

ويبادر الناقد جون إيدج قائلا أن مؤلف كتابنا لا يطلق تحذيراته من باب الترف كأن يحتج مثلا على أن الطماطم (البندورة) لم يعد لها طعم أو أنها فقدت لونها الأرجواني الأثير: إن الكتاب ينبه العالم ـ بقدر لا يخفى من القسوة ـ العلمية إن شئت ـ بأن ثمة شبكة متكاملة من العوامل المترابطة باتت تهدد الأمن الغذائي لشعوب الكرة الأرضية لدرجة يمكن أن تهدد بقاء الإنسان في حد ذاته وفي مقدمة هذه العوامل ما يتمثل في ظاهرتين هما:

* أولا تغيرات المناخ
* ثانيا تزايد السكان

والمؤلف لا يصدر هنا عن السيناريوهات المألوفة الصادرة عن علماء المستقبليات وبعضها يرنو بالفكر والخيال العلمي إلى آفاق وآماد أبعد من زماننا بكثير.. وبمعنى أن يول روبرتس لا يتساءل مثلا عن إمكانية أن يطعم الكوكب ساكنيه في عام 2070 ـ بل التساؤل بالأحرى هو عن إمكانية ضمان الغذاء المعقول صحيا وإنسانيا لسكان العالم.. بحجمهم الراهن البالغ 5,6 مليارات نسمة.

ونستطيع من قراءتنا التحليلية لتصدير هذا الكتاب أن نطمئن إلى أن صاحبه يصدر بالفعل عن جهد بحثي رصين.. أنه لا ينظر إلى قضية الطعام بوصفها مسألة معزولة عن سائر القضايا أو الاحتياجات البشرية.. لا يتعامل مع الغذاء على أنه أطباق أو أصناف أو حتى سعرات حرارية لازمة لبقاء الكائن البشري أنه يطلق على موضوعه وصفا أكثر شمولا وهو: اقتصاد الغذاء

يقول في صفحات التصدير المسهب: إن قضية توفير الغذاء أصبحت تتشابك مع قضايا ومشاكل أخرى في حياة المجتمعات..

ومنها مثلا قضية الطاقة (توفيرها.. أسعارها.. احتياطياتها) وقضية العمالة حيث يشهد العالم تحولات عن أسواق العمل الرخيص التي ظل يتعود عليها وخاصة في ضوء تعقيد الهجرات ومشاكل الأمن القومي والتلويح بخطر الإرهاب ثم قضية تغير أنماط الاستهلاك (في مجتمعات التضخم السكاني في الهند أو الصين حيث تزيد أعداد البشر.. بعشرات الملايين المتطلعين إلى الانضمام إلى أطعمة الطبقات الوسطى من حيث الأصناف والكميات ـ اللحوم بالذات وأساليب التجهيز وهي بدورها تتطلب مزيدا من موارد الطاقة.. الخ

في هذا السياق بالذات يعرض المؤلف 3 أسباب أساسية لإشكالية الغذاء في زماننا على النحو التالي: أولا: إن الغذاء لم يعد سلعة يتم إنتاجها في سياق إقليمي ـ أو جهوي أو مناطقي. (الأرياف أو البوادي..

أو الحضر داخل هذا البلد أو ذاك) معظم الغذاء يتم إنتاجه الآن ضمن سياق عالمي تتحكم فيه عوامل الزراعة (استيراد الأسمدة) أو عوامل الطلب (تغير أنماط الاستهلاك) ومن ثم عوامل النقل والتغليف.. التعليب.. التجهيز. وما في حكمها. كل هذا أصبح مرتبطا بحالة العلاقات بين الدول.. تصديرا واستيرادا.. وأي عنصر يؤدي إلى تعطيل مثل هذه العلاقات التبادلية يمكن أن يؤثر سلبا على الإمداد بالأغذية.

هنا يسوق المؤلف مثلا فيقول: تصور لو حدث عائق طبيعي.. ومن ذلك مثلا تغير أحوال المناخ.. أو هبوب أعاصير أو عواصف أو تسونامي.. أو زلازل.. هنا تلوح أخطار حقيقية يمكن أن تهدد بعزل مناطق بأكملها من تلك التي لا تستطيع سوى إنتاج محصول واحد فإذا بها لا تستطيع الوفاء باحتياجاتها الغذائية بعد أن تنقطع إمداداتها من الواردات ولو إلى حين.. ولكن هذا الحين.. مهما كان أمده قصيرا.. معناه المعاناة والحرمان وربما الوصول إلى حافة المجاعة.

ثانيا: وبالتالي لم يعد إنتاج الطعام ـ أنواع الأغذية يعد عملية فردية أو حتى مجتمعية بمعنى أن تقتصر على جماعة أو طبقة أو حرفة بذاتها هي بداهة حرفة الزراعة والفلاحة، ولكن أصبح هذا الإنتاج يتم من خلال منظومة متشابكة العناصر ومتداخلة النشاطات.. فيما اتسع نطاق هذه العملية بما يكاد يشمل العالم كله..

تبدأ المنظومة ـ كما يوضح مؤلف الكتاب ـ بمسألة الطاقة اللازمة لإدارة ماكينات الري وتشغيل أدوات وآلات الحراثة والحصاد ولا تنتهي بقضايا كفاءة توزيع إنتاج الغذاء بمعنى التماس أجود نوعيات الأراضي الملائمة لإنتاج أكثر المحاصيل..

غلّة.. ومن ثم نقلها من مناطق ـ الإنتاج إلى مناطق ازدياد الطلب وقد تعبر بين هذين القطبين حيث تجتاز مناطق التجهيز والتعبئة والتعليب. وفي ظل هذه الأوضاع بالغة التعقيد في عصرنا تتعرض الأقطار والمناطق التي كانت تتخصص في إنتاج محصول واحد إلى العزلة عن تيار العلم الكاسح فإذا بها عاجزة أو تكاد عن إشباع احتياجاتها الغذائية من جهة.. فضلا عن اعتمادها على الواردات من الأغذية من جهة أخرى.

ثالثا: إن اقتصاديات الغذاء، كما يؤكد الكتاب، بحكم طبيعتها تتسم بأنها تقاوم التغيرات السريعة أو المفاجئة.. أنها تتحرك على أساس قوة اندفاع لا تملك التوقف ولا تملك ترف التريث والتقاط الأنفاس من أجل إمعان النظر وتأمل الأحوال ومراجعة الأساليب.

ورغم أن النفط بات ـ كما هو بديهي ـ عنصرا لازما بل حيويا لاستمرار الحياة فوق كوكبنا ـ إلا أن المرء بوسعه أن يتخيل ولو نظريا عالما بغير نفط ولو على مدار يوم واحد فقط لكن من يستطيع أن يتخيل عالما بلا طعام يوما واحدا أو ساعات من يوم؟

لعل هذا العامل بالذات هو الذي دفع بعض الخبراء إلى القول بأن نظام إنتاج الأغذية أصبح يستعصى على التغيير من داخله.. ومن ثم أصبح واجب أن يتم التفكير في حلوله من خارج المنظومة نفسها.. وبالتالي يمكن لتدابير الإصلاح أن تتبلور وأن ترسم سيناريوهات الوصول إلى الأوضاع الأفضل وأن تنبه إلى السلبيات التي تشوب منظومة إنتاج الطعام اللازم لكل فم على ظهر البسيطة.

في هذا المضمار يسوق المؤلف نموذجا دالا على أهمية التفكير في إصلاح منظومة الغذاء ـ ولم يتم هذا التفكير ضمن نطاق العلم أو الإحصاء أو البحث المنهجي.. لقد تم في نطاق بعيد تماما عن هذا كله.. نطاق الإبداع الأدبي. ففي عام 1906 ـ أصدر الأديب الأميركي «إبتون سنكلير» روايته بعنوان «الغابة» (أو الدغل ـ الأحراش..) كشف فيها ببلاغة التصوير الأدبي عما كان يدور أيامها في صناعة الأغذية في أميركا..

ذلك العالم الذي كان محفوفا بأسرار أقرب إلى كهنوت الصنعة ويومها. طالع الناس برعب شديد مشاهد تجهيز ما يضعونه في أفواههم من صنوف الطعام بكل ما كان يحدق بها من إهمال وقذارة وتقصير يرقى إلى مستوى الجرائم ـ كان الهدف من هذا كله هو خفض التكاليف.. وتعظيم أرباح أباطرة الغذاء (في أميركا ومن ثم في العالم)..

لا يهم إذن أن يقدموا لجماهير المستهلكين لحوما متعفنة وألبانا انتهت صلاحيتها ومعلبات تغذوية عالجوها بكيماويات هي أقرب إلى السموم الناقعات.. هذا ناهيك عن العمال الذين تقطعت أيديهم تحت شفرة السكاكين العملاقة في مصانع الشقاء وتركتهم شركات الأغذية بغير عائل أو معين وهكذا كان الإبداع في خدمة الوعي وبقدر ما كان الأدب مبدعا.. كان الوعي حيويا لأنه يتعلق بحياة الإنسان.



تأليف: بول روبرتس
عرض ومناقشة محمد الخولي
البيان 10/12/2008
رد مع اقتباس
  #2  
قديم 15-12-08, 02:30 صباحاً
عبد السلام عبد السلام غير متواجد حالياً
مشرف
 
تاريخ التسجيل: Oct 2003
المشاركات: 4,264
رد: كتاب - نهاية الغذاء - الحلقة: (2)


الإنسان مؤهل للتعايش مع الندرة وليس مع الإفراط


انطلاقاً من التاريخ الشامل لتطور علاقة الإنسان بالغذاء، يصل المؤلف إلى القول إنه في منتصف السبعينات من القرن الماضي بدأت تعلو صيحات التحذير من اللحوم الحمراء وما يرتبط بها من أخطار على صحة الإنسان، وفي أميركا ارتبط البديل بالأرباح، وتمثل في ترك اللحوم الحمراء والاستعاضة عنها باللحوم المستمدة من الدجاج وكانت تلك هي بداية التأكيد على أن الوفرة في الطعام ليست مرادفة بالضرورة للصحة، حيث قفزت نسبة الأميركيين الذين يعانون من البدانة من 23% لتستقر عند31% عام 2000.

وما لبثت هذه الظاهرة الخطيرة أن انتقلت من الولايات المتحدة عبر المحيط الأطلسي إلى أوروبا الغربية، حيث تضاعفت ظاهرة البدانة في صفو الأوروبيين3 مرات منذ الثمانينات من القرن الماضي. وتصل هذه الظاهرة في الشرق الأوسط على حد إصابة ربع سكانه بالبدانة، ولا ينجو منها سكان العالم الثالث على نحو ما يبرز في نموذج كينيا، حيث يعاني واحد من كل ثمانية من سكانها من البدانة ويعاني واحد من كل سبعة منهم من نقص التغذية.

حدث ذلك عند منتصف السبعينات من القرن الماضي، يومها أعلن أهل الطب ومسؤولو العلاج، وبالطبع دهاقنة التأمين الصحي أن اللحوم الحمراء تنطوي على خطر يمكن أن يلحق بصحة الإنسان.. وكان الإعلان في أميركا.. ومن يومها أزيح اللحم البقري وما في حكمه من لذيذ الطعام عن عرشه الذي ظل يتربع عليه على مدار حقب طويلة ترجع إلى ما قبل اكتشاف الزراعة.

وبحكم مكانة أميركا بوصفها نموذجا للسلوك.. وأحيانا لصرعات الموضة في أنماط السلوك ـ فقد وجدت دعوتها إلى الاقتصاد في التهام أصناف اللحم أصداء إيجابية في طول العالم وعرضه. خاصة وهذا العالم يدرك ولا شك مدى التقدم الذي أحرزته دوائر البحث العلمي في الولايات المتحدة فما بالك والدعوة الأميركاني.. كان معناها مزيدا من التوفير في الأموال التي كان عالمنا ينفقها على شراء وتجهيز اللحوم.

كان طبيعيا إذن أن تقفز إلى مقدمة المسرح مصالح اقتصادية وإنتاجية جديدة في محاولة لملء الفراغ، لا من أجل عيون المستهلكين أو للحفاظ على صحة الناس من غوائل دهون الكولسترول الضارة بالصحة.. ولكن من أجل الأرباح المرتجاة من بدائل اللحوم.. وكانت أرباحا هائلة.

في كل حال.. دخلت لحوم الدجاج إلى مسرح الأحداث.. وبعدها تغيرت المعادلة وبالأرقام على نحو ما يقول مؤلف الكتاب (ص 67):

* في عام 1976 كانت نسبة استهلاك الفرد الأميركي هي 92 رطلا من اللحم «البقري بالذات» (وهي نسبة يراها المؤلف رهيبة الارتفاع خاصة وقد كانت أيضا ضعف نسبة الاستهلاك من لحوم الدجاج).

ولكن بعد هذا التكريه ـ الذي نشرته الأوساط الطبية ضد لحوم البقر وما في حكمها.. تحولت الخيارات إلى حيث اتجهت ضد البقرة ولصالح الدجاجة.. وزاد من ضرورات هذا التحول ما طرأ وقتها من نقص حاد عاناه العالم في مواد الأعلاف.. مما أدى بدوره إلى ارتفاع أسعار اللحوم. يومها أيضا أصاب الارتفاع الشديد سلسلة المحلات ذات الأسماء الشهيرة التي شيدت إمبراطوريتها على بيع شطائر (ساندويتشات) البيرغر الجاهزة والمتهاودة في الأسعار..

وكان لا بد لتلك الإمبراطوريات أن تلتمس أصنافا أرخص سعرا من ناحية وأكثر قابلية لبروباجندا الترويج التي لم تتورع عن النفخ في السلبيات الطبية للحوم الحمراء من ناحية.. وتزيين تناول لحم الدجاج الأسلم طبيا والأرخص سعريا.

وهنا يؤكد المؤلف: حدث التغير الذي ما زلنا نشهده في تاريخ البروتين. ومع هذه المرحلة «التاريخية» الجديدة التي بدأت منذ نحو 30 عاما بدأت حمى الترويج للدواجن وكان طبيعيا أن تبدأ من أميركا.. ثم إلى أقطار شتى في شرق العالم وغربه من باب التقليد.. أو المباهاة أو إدراك المنافع.. دع عنك التأثر ـ عن أجيال الشباب خصوصا ـ بما يطالعونه في ميديا الإعلام الفضائي والسينمائي من أنماط سلوكية لها جاذبيتها الخاصة.

ومثل كل ظاهرة إيجابية في حياة الناس.. كان هناك الجوانب السلبية لهذه الأصناف المستجدة المطروحة في أسواق الاستهلاك.. وربما تكمن ميزة مجتمع مفتوح مثل أميركا في أن ثمة مساحة ولو معقولة لأفراد أو جماعات تحذر أو تنذر أو تكشف عن أي أخطار يحتمل أن ينطوي عليها هذا السلوك الإنساني أو هذا اللون من ألوان الطعام المطروح وسط أضواء الدعايات من أجل الاستهلاك البشري.

من هؤلاء يقف كتابنا في الفصل الرابع عند مصرفي شاب كان عضوا في البرلمان المحلي بولايته فلوريدا.. اسمه خوان زاباتا. باختصار شديد قدم زاباتا مشروع قانون يحذر من إصابة الأطفال الأميركان بآفة البدانة المفرطة.. وهي مشكلة كفيلة بأن تصاحبهم على مدى العمر بكل ما يرتبط بها من تعقيدات ومشاكل صحية وسلوكية بل واقتصادية في بعض الأحيان.

السبب كما بحثه خوان يكمن في مادة أساسية اتضح له أنها تضاف بمعرفة منتجي الأغذية والمشروبات ذات الشعبية الهائلة في أميركا والمادة تعرف علميا بالمختصر التالي: إتش.. إف.. سي.. إس. ومعناها: المحلول السكري للذرة المرتفع الفركتوز.

والمشكلة ـ كما أوضحها مشروع القانون المقترح ـ هي أن هذه المادة السكرية تدفع المتعاطي إلى طلب المزيد منها.. ومن ثم الإدمان عليها وخاصة بين صفوف الأطفال. وكان طبيعيا ـ كما يوضح المؤلف ـ في الفصل الرابع ـ أن تهب مصالح الإنتاج العاتية إلى دحض هذه الاتهامات ومحاولة إجهاض القانون الذي أصدرته الولاية بحظر المواد الغذائية المحتوية على عنصر التحلية المذكورة.. ورغم أن سوق إنتاج هذه المواد يزيد على ملياري دولار. فقد صدر القانون بالإجماع.

كان ذلك مثلا يسوقه المؤلف على أهمية التنبه إلى أن المسألة ليست مجرد وفرة أو شحة في الغذاء المتاح لاستهلاك البشر: المسألة أيضا هي مدى الخطر الذي يمكن أن يسببه هذا الصنف أو ذاك من أنواع هذا الغذاء.

يوضح المؤلف كذلك أن الوفرة ليست مرادفة تماما للوضع السليم.. بل يذهب (ص 84) إلى أن تاريخ البشرية يشهد بأن الإنسان كائن مفطور من حيث تصميمه على التكيف مع عنصر الشحة أو الندرة.. ومن ثم فالبقاء للأصلح كان معناه البقاء لأجيال أو أقوام البشر الذين استطاعوا الصمود في وجه أنواء الطبيعة وتقلبات الطقس وشُحة الأقوات ـ مما دفعهم إلى أن يشحذوا العقل الذي وهبوه من خالقهم.. وأن يستثمروا كل ملكاتهم لكي يحققوا المعادلة التي تتلخص في أطرافها كل أهداف علم الاقتصاد وهي: أن تلبي أكثر الاحتياجات من خلال الاستخدام الأمثل لأقل الموارد.

بيد أن المشكلة في زماننا الراهن هي أن تيار الاستهلاك كاسح.. وأن الإنسان لم يعد ينال من الزاد ما يكفيه (تأمل عبقرية مصطلح «الزاد» في لغتنا العربية الشريفة) ثم تأمل حكمة الأثر الشريف: «حسب ابن آدم لقيمات يُقمن أوده» ـ المشكلة أن دعايات الاستهلاك تفضي بالضرورة إلى الإفراط في هذا الاستهلاك وأن ملل الإنسان من تكرار الصنف الواحد يدفعه إلى تنويع الأصناف.. ومن ثم إلى أن يأخذ الجسم ما يزيد عن الحاجة..

وبالتالي بدأت تتجلى.. وبإلحاح شديد ـ مشكلة البدانة التي يتوقف المؤلف عندها لا بوصفها آفة أصابت أميركا وحدها ولكنها تعدت إلى أقطار شتى من خارطة عالمنا ولدرجة أن اصطنعت لها لغة أميركا الانجليزية لفظة لا يتعدى عمرها 40 عاما..

فحتى الستينات كانوا يستخدمون لفظة «زائد الوزن» كناية عن الجسم الممتلئ.. لكن اللفظ المستخدم حاليا هو «أوبيز» كناية عن البدين وقد اضطروا إلى تعميمه بعد أن بلغت نسبة المصابين بهذه البدانة مع حلول التسعينات 23 في المئة من جميع الأفراد البالغين من أبناء وبنات المجتمع الأميركي.. ثم قفزت النسبة في عام 2000 إلى 31 في المئة.

ومن عجب أن المسألة ليست مجرد أخطار قد تلم بصحة الإنسان فحسب. لقد كان من الطبيعي أن ينجم عنها آثار اقتصادية واجتماعية وسلوكية يحاول كتابنا أن يرصدها بإيجاز على النحو التالي: كان على صناعة الملبوسات أن ترفع قياسات الأحجام درجات إلى أعلى وحتى بالنسبة للهياكل الأساسية في المرافق العامة..

كان لا بد من رفع القياس ليناسب ما استجد من ضخامة الأحجام وزيادة الأوزان.. كراسي المكاتب.. حشايا المخادع.. لدرجة أن شركات الطيران ظلت تنفق 275 مليون دولار سنويا لمجرد أن تستطيع الطائرات حمل أوزان أثقل من الركاب.. هذا فضلا عن الاتجاه إلى توسيع حيز المقاعد المتاحة لراحة المسافرين.. كل هذا فضلا عن التكاليف الصحية والعلاجية الناجمة عن تفشي بدانة السكان.

ما زالت أميركا مشغولة كما يؤكد المؤلف عند نهايات الفصل الرابع بالتصدي لهذه الظاهرة: ما بين إعلانات التحذير.. إلى إعلانات الحث على الطعام الأقل والرياضة الأكثر.. إلى محاولات سنّ قوانين تحد من نسبة الدهون المرتفعة في المأكولات الجاهزة للتناول وخاصة المقدمة إلى صغار التلاميذ..

وخلاصة الأمر أن المسألة بحاجة لا إلى مجرد تغيير أنماط وأطباق وكميات الطعام بل إلى تغيير شامل في سلوكيات الحياة الشاملة للفرد المعاصر. فيما يحذر الأمين العام للأمم المتحدة من إمكانية أن تصبح المجاعة نمطا للحياة في العالم الثالث.

صحيح أن شركات الأطعمة الجاهزة تحاول أن تبرّئ ذمتها حين تؤكد أن الآباء هم المسؤولون عن رصد ومتابعة ما يتناوله أبناؤهم من طعام.. لكن الأصح أن هذه الشركات تنفق المليارات من أرباحها على الإعلانات الجذابة التي يعرضها التلفزيون لتشويق الأبناء ـ الأطفال من كل الأعمار إلى ما تسوقه هذه الشركات من صنوف شطائر البيرغر و«السناك» والحلوى ومشروبات الصودا وما إليها.. هذا ناهيك عن إمكانية التواصل مع الأطفال في ساحات المدارس أو المواصلات أو الملاعب حيث لا تأثير يذكر للآباء أو الأمهات ولا يحزنون.

المشكلة هو اتساع البدانة إلى خارج دوائر الوفرة ـ كما يسمونها في أميركا.. عبرت الأطلسي إلى أوروبا الغربية لدرجة أن تكاد أوروبا تكرر في إحصاءاتها ما يحدث عند ابن العم الأميركي حيث تضاعفت معدلات البدانة بين الأوروبيين 3 مرات منذ عقد الثمانينات..

بل إن من الأقطار النامية ـ على نحو ما يوضح المؤلف (ص 107) ما بدأ يشهد أو بالأدق يعاني داء البدانة بين صفوف السكان وخاصة في ضوء التغيرات التي بدأت تشهدها أقطار مثل الصين والهند من حيث سرعة الحراك الاجتماعي بين الطبقات البورجوازية الوسطى.. أكثر من هذا يقول الكتاب:

- ربع سكان الشرق الأوسط أصبحوا يعانون، إما من زيادة الوزن أو البدانة المفرطة.. ويضاهيهم ثلث السكان في جنوب أفريقيا.. (ومن عجب) أنك تجد في بلد فقير نسبيا مثل كينيا شخصا واحدا من كل 8 من السكان مصابا بالبدانة المفرطة ثم تجد كذلك شخصا واحدا من كل 7 من السكان يعاني من سوء التغذية وحين طلب من دانييل اراب موي التعقيب على هذه الظاهرة اكتفى بالصمت.


بول روبرتس
عرض ومناقشة: محمد الخولي
البيان 13/12/2008

مول الخبول وبابا نويل !!
رد مع اقتباس
  #3  
قديم 15-12-08, 02:33 صباحاً
عبد السلام عبد السلام غير متواجد حالياً
مشرف
 
تاريخ التسجيل: Oct 2003
المشاركات: 4,264
كتاب ـ نهاية الغذاء - الحلقة (3)


الزراعة أبرز الثورات في تاريخ البشر


بعد انتقال المؤلف من التحذير من المخاطر الكبيرة التي يواجهها البشر مع بروز ما يصفه بنهاية الغذاء، والذي يوازي ما سبق له أن دعاه بنهاية النفط، نراه ينتقل هنا إلى تقديم تحليل تاريخي مفصل، تبدو لنا في إطاره عملية اكتشاف الإنسان للزراعة باعتبارها أكبر ثورة في التاريخ الإنساني، ومن ثم نرصد تمكن الإنسان قبل نصف مليون سنة من إتقان صيد فصائل شتى من الحيوانات، الأمر الذي جعله يستمد 65% من مجموع السعرات الحرارية التي يحتاجها من اللحم.

مما زاده قوة، وأدى إلى اتساع قاعدة جمجمته، بكل ما ترتب على ذلك من نتائج حاسمة على المستوى التاريخي، ويشير المؤلف إلى أنه بحلول عام 3500 قبل الميلاد كان زارعو القمح من الفراعنة ينتجون بانتظام كميات من الحبوب تفوق ما يحتاجونه لطعامهم، وهذه الزيادة الملموسة هي نفسها التي تراكمت بفعلها ثرواتهم، وكفلت عنصر الأمن الغذائي لمجتمعاتهم، الأمر الذي فتح الباب أمام تطور هائل هو التجارة على نطاق كبير. في الفصل الأول من هذا الكتاب يتابع المؤلف مسيرة البشرية من أجل توفير «الطعام لكل فم».. وبديهي أن تبدأ هذه المتابعة من أولى مراحل تدبير الغذاء بجهود الإنسان الأول الذي ظهر على سطح كوكب الأرض منذ ملايين السنين. هذه المرحلة تحمل العنوان التالي: مرحلة الصيد وجمع الثمار.

بمعنى أن أسلافنا الأوائل من سكان الكهوف بدأوا حياتهم بجمع الثمار من أفنان الأشجار وبعدها اصطنعوا حرفة اصطياد حيوان الغابة والأدغال، لا سيما بعد أن حققوا أكبر اكتشاف ـ ثوري كما قد نسميه ـ في حياة هؤلاء الأسلاف الأولين وهو النار. وبعدها.. أمكن إخضاع حيوان الصيد إلى لهيب هذه النيران ليتحول إلى غنيمة سائغة ومغذية.. ولذيذة أيضا في مجتمعات البشر الغابرة.

يقول المؤلف في هذا السياق: قبل 500 ألف سنة أو نحوها، بدأ الإنسان الأول يستخدم أسلحته البدائية، لكي يصطاد شتى فصائل الحيوان ما بين القوارض إلى الزواحف بل استطاع اقتناص صغار الوعول والغزلان، ومن ثم أتاح له هذا التطور في تدبير طعامه أن يتحول عن مرحلته السابقة التي كان يلتمس فيها ثمار الفاكهة البرية والجذريات الدرنية التي كان يعثر عليها نامية فوق سطح الأرض.. إلى جانب بيض الطيور في أعشاش الغابة.. دون أن يستثني من ذلك بعض أنواع الهوام التي لم يكن يتردد هذا الإنسان القديم في استخدامها لسد الرمق.

ويواصل مؤلف الكتاب حديثه قائلا: ولكن بعد هذا التاريخ بدأ الإنسان الأول يتحول إلى غنيمته من الحيوانات التي استطاع أن يصطادها.. وبمعنى أن كان التحول إلى أكل اللحم بكل ما انطوى عليه هذا الإجراء الخطير من تناول صنف من الغذاء يزوده بنسيج للعضلات وشحوم للطاقة وكان هذا في مجمله يعني أيضا تزويد الإنسان بنسبة تبلغ 65 في المئة من مجموع السُعرات الحرارية التي يحتاجها الجسم البشري..

على أن المسألة لم تقتصر فقط على حجم السعرات، ولكن تعدت أيضا إلى نوعية هذه السعرات ومقادير التغذية المستجدة في حياة البشر، ذلك لأن اللحم يحتوي على نحو 16 من الأحماض الأمينية اللازمة للصحة والنمو (البروتينات النباتية ـ كما يوضح المؤلف لا تحتوي إلا على 8 من تلك الأحماض) أن هذا هو السبب في أن رياضيي كمال الأجسام يتناولون مقادير كثيرة من اللحوم كما أنه يفسر لنا تاريخيا السبب في أن أسلافنا القدماء كانوا يتناولون مقادير أكبر من اللحم حتى أن أجسامهم أصبحت أعرض وأقوى وأكثر طولا.

ولم يكن في الأمر مجرد رغبة في كمال الأجسام: لقد بلغ الكائن البشري وقتها 6 أقدام من حيث الطول، وزادت متانة عضلاته فأصبح ـ بفضل خالقه عز وجل ـ أكثر قدرة على تجنب هجمات الوحوش فضلا عن قدرته التي زادت على إجادة حرفة صيد الحيوان.

وربما كان الأهم هو اتساع جمجمة هذا الكائن البشري عن الأجيال التي تقدمت عليه في أزمنة سحيقة سبقت من عمر البشر، من ثم فقد أمكن للمخ البشري أن يكبر ويتطور خاصة وقد استطاع هذا المخ أن يتزود بالمزيد من المواد الحيوية المستمرة من الأحماض الدهنية وخاصة من الفصيلة المعروفة طبيا باسم «الأوميجا».

مرة أخرى يقول المؤلف: هذه الأحماض الدهنية كانت مجرد البداية، فلم يكن نضوج المخ البشري بحاجة فقط إلى تلك المواد الحيوية بل كان بحاجة أيضا إلى المزيد من السعرات الحرارية اللازمة لكي ينشئ المخ الإنساني كل الناقلات العصبية التي يتوقف عليها النشاط العقلي للبشر، وكلما زاد الحجم يزيد الاحتياج إلى سعرات أكثر.

المهم أن ظل التطور مستمرا في تلك الأزمان البعيدة وعندما حل العصر الجليدي منذ نحو 180 ألف سنة كانت الأطعمة المستمدة من الحيوان هي الغذاء السائد والمفضل لدى سكان الأرض. وكانت المشكلة هو الوقت الطويل الذي كان يستغرقه الفرد في تلك المجتمعات ساكنة الكهوف كي يحصل على ما يقيم أوده من لحوم الحيوان أو من كميات العسل البري أو من الثمار التي كان يحاول أن يتخطفها من بين الأغصان. أو يحفر بأظافره في باطن الأرض للحصول على بعض منها.

ولأن للتطور سننا مستمدة من قوانين الحياة في هذا الكون المعجز.. فقد شاءت هذه السنن أن يتحول الإنسان من جامع للغذاء إلى منتج للغذاء. هذا التحول جاء بدوره ليشكل ثورة بكل معنى الثورة في حياة الناس. وحملت اسمها المعروف في تاريخ التطور البشري: وما كان لهذا الاكتشاف، العبقري بكل معنى ـ أن يتم إلا بعد أن كان أسلافنا الأوائل قد جمعوا حصائل واسعة وعميقة أيضا من المعارف الخاصة بأنواع النبات والبذور والتربة والمواسم وأحوال الطقس وتقلبات الطبيعة..

وليس لأحد أن يستهين بكل هذه المعلومات، ولا بالتغيير الجذري الخطير الذي أحدثته في تطور الحياة فوق كوكبنا.. بغيرها ما كان للإنسان البدائي أن يعرف مثلا كيف أن هناك حبوبا صالحة للأكل مثل القمح أو الذرة أو الشعير وأن هناك سيقانا أو نواة وما في حكمها يمكن أن تترك في أرض رطبة فإذا بها تزهر ومن ثم تثمر بعد حين موقوت.


في كل حال تحول الأسلاف الأوائل من مجرد جامعي ثمار أو صائدي حيوان ليصبحوا بكل فخر مزارعين. أو منتجين للطعام.. وبقدر ما أن هذا التحول في أسلوب التماس الغذاء.. كان له بالطبع أبعاده الاقتصادية فقد كان له جوانبه السلوكية، والاجتماعية على السواء. كانت الزراعة تعني التحّول من سلوك الإنسان الفرد الذي يطارد الحيوان في دهاليز الغابة.. إلى سلوك الجماعة التي كان ضروريا أن تتشكل وتتبلور من أجل ممارسة هذا الإنتاج الزراعي المستجد في حياة الناس. ترى أين بدأت بوادر هذه الثروة الزراعية الأولى؟

المؤلف يجيب على السؤال موضحا أنها بدأت في أماكن شتى من خارطة العالم: في وسط آسيا وأميركا الوسطى وجنوب شرقي آسيا ـ في تلك الأصقاع توافرت ظروف كانت متماثلة إلى حد كبير. كيف؟ إنسان تلك الأصقاع صادف يوما مساحات من الأرض وقد نمت فيها سيقان صفراء من قمح أو شعير.. أو ظهر من شقوقها جذر مائل إلى السمرة.. من البطاطا السائغة الطعم.. ثم لاحظ الإنسان ـ والملاحظة والرصد فيصل الفرق بين ذكاء الإنسان وأخيه الحيوان.

لاحظ الإنسان أن هذه النباتات لا تلبث أن تعاود الظهور والنمو والنضوج في مواعيد موقوتة.. وهو ما جعل الجماعات البشرية تختار الإقامة بالقرب منها وما أن جاءت الحقبة الزمنية ـ الحديثة نسبيا ـ بين عامي 10 آلاف سنة و6 آلاف سنة قبل الميلاد حتى شهد عالم ذلك الزمان جماعات بشرية صغيرة تزرع القمح في مناطق من آسيا والشرق الأوسط وتزرع الذرة في مناطق أميركا الوسطى أو مناطق ما بين الأميركتين ـ ميز وأميركا كما يسميها المؤلف على وزن «ميزوبوتاميا» أو ما بين النهرين ـ الرافدين دجلة والفرات.

ومرة أخرى لم يكن اكتشاف الزراعة سوى مجرد بداية ـ خطوة أولى على طريق ما أصبح يوصف تاريخيا بأنه أقدم الأنساق الحضارية التي عرفها الإنسان.. من أجلها كان على الإنسان القديم أن يتعلم فنّ الحصاد والطحن والغربلة ومن ثم استخدام النار لتحويل الطحين إلى خبز مأكول وإلى أصناف من الفريك الخفيف الذي كان يتخذونه طعاما للأطفال حين يحضونهم على الفطام.

كل هذا التطوير في اكتشاف الغذاء وفي إنتاجه وفي تجهيزه كان لا بد وأن يؤدي إلى زيادة في حجم الجماعات البشرية التي مارست كل هذه العمليات في الزمان القديم.. وهنا يحيل كتابنا إلى تاريخ الديمغرفيا الذي يقدر علماؤه حجم سكان الكرة الأرضية بأسرها قبل الميلاد بعشرة آلاف سنة بما يبلغ نحو 5 ملايين نسمة فقط لا غير فإذا بسكان المعمورة يزيد حجمهم كي يبلغوا نحو 20 مليون نسمة بالتمام والكمال سنة 5000 قبل الميلاد.

ويصف المؤلف هذه الظاهرة في عبارة تقول: تلك كانت الطفرة الأولى في حجم السكان بالمعايير الحديثة. وقد جاءت لتشكل بدورها أعباء متزايدة على كاهل قدرة الكرة الأرضية من حيث تلبية احتياجات هؤلاء السكان من الغذاء.

هكذا بدأ أسلافنا في تلك الفترة يعانون نسبيا من قلة المقادير التي كانوا يتناولونها من اللحوم. ونقول نسبيا بالمقارنة مع ما كان قبل اكتشاف الزراعة حيث كان صيد الحيوانات والتغذي على لحومها وألبانها وشحومها هو المعيار السائد في تناول الطعام. يشهد بهذه الظاهرة المستجدة الفحص العلمي للهياكل العظمية المتبقية من تلك الفترات السحيقة وقد أثبت أن إنسان ما بعد الزراعة جاء أضعف في البنية والتكوين من سابقه إنسان زمن الاصطياد.

مع هذا كله فقد كان للتطور أن يواصل مسيرته الحتمية.. وكان من أبرز إيجابيات الزراعة أن وفرت للإنسان مزيداً من الوقت الذي يستثمره في أنشطة مفيدة أخرى منها مثلا الأنشطة الحرفية اليدوية التي كانت بمثابة الإرهاصات الأولى لبداية الحضارات الإنسانية وخاصة في وديان الأنهار الكبرى.. بل كان للزراعة أيضا أبعادها من حيث التطور السياسي والاستقرار الاجتماعي.

ومرة أخرى يقول مؤلف الكتاب:

كانت الزراعة أيضا مصدرا للقوة والنفوذ. وبحلول عام 3500 قبل الميلاد كانت زراع القمح المصريون ينتجون بانتظام كميات من الحبوب تزيد عما يحتاجونه لطعامهم.. وهذه الفوائض من الغلات كانت الأساس الذي نمت عليه ثرواتهم المتراكمة بقدر ما أن هذه الفوائض كفلت لتلك المجتمعات عنصر الأمن الغذائي (بمصطلحات عصرنا) وهو عنصر لم تكن تعرفه أصلا، لا مجتمعات الصيد ولا طبعا مجتمعات جمع الثمار.. هنالك أصبح أمام الناس كميات يستخدمونها لممارسة حرفة مستجدة حملت اسم «التجارة».

الفوائض نفسها كان معناها أن الموارد تتحمل تلبية احتياجات المزيد من البشر ومن ثم زاد عدد أفراد المجتمع من الجماعة إلى القبيلة ومن المحلة والنجع إلى القرية ومنها إلى المدينة.. وفي ظل الحواضر نبتت فكرة أن نعفي جماعات (موهوبة) من الأفراد من نشاط الزراعة كي ينشغلوا بأنشطة أخرى تصب لصالح الجماعة في نهاية المطاف.

وهكذا استجدت ثم انتشرت وازدهرت أنشطة وحرف ومهن لنوعيات من قبيل: الخبازين ثم الفواخرية، والحدادين والتجاريين وصولا إلى الرسامين والمزخرفين ومن بعدهم محترفي التسلية والفن والكتابة.. وفي إطار هذا التنظيم الاجتماعي كان لا بد وأن تنمو احتياجات أساسية أخرى، ما بين الاحتياجات الروحية ـ النفسية ـ طبقة العرافين والكهنة ثم احتياجات التنظيم والضبط والفصل بين الناس فكانت طبقات الجنود والملوك الحاكمين.
رد مع اقتباس
  #4  
قديم 18-12-08, 03:56 صباحاً
عبد السلام عبد السلام غير متواجد حالياً
مشرف
 
تاريخ التسجيل: Oct 2003
المشاركات: 4,264
رد: كتاب - نهاية الغذاء - الحلقة: (4)


أميركا تكرس عادة ارتياد المطاعم عالمياً


ينتقل بنا المؤلف، عند هذا المنعطف من كتابه، إلى استعراض الملامح الرئيسية في تجربة الصين في تحديث الإنتاج الزراعي بعامة والغذائي بصفة خاصة والانتقال به من المستوى المتردي، الذي وصلت إليه في وقت من الأوقات، إلى المستوى الذي تقدم فيه الصين للعالم منطقة شاندونغ باعتبارها نموذجا متقدما للنجاح في القفز عاليا بمستويات الإنتاج الزراعي، وخاصة المواد الغذائية.

حيث بلغت الذروة في نجاح إنتاج الخضر والفاكهة عبر نظام الصوبات أو البيوت الزجاجية، وإن كانت هذه المنطقة لم تخل تجربتها من سلبيات عدة، حيث جاء النجاح فيها على حساب الحبوب التي يحتاجها البشر والحيوانات على حد سواء، بل إن النموذج الصيني في التنمية نفسه يعكس احتياجا شبه دائم إلى الحبوب المستوردة من الخارج، وهو مالا يمكن وصفه بأنه تجسيد لتحقيق الأمن الغذائي. الصين هي الساحة المكانية التي يختارها مؤلف الكتاب لكي يفتح على مهادها سطور الفصل الخامس يحكي المؤلف بالتحديد عن منطقة شاندونغ الساحلية من أقاليم الصين.

وقد ذاعت شهرتها في بلادها وفي العالم بوصفها أكبر مركز لإنتاج المنتجات الزراعية من حيث الحجم والشكل والتنوع.. تلقى مؤلف الكتاب دعوة من حكومة بيجين كي يحضر بوصفه كاتبا صحفيا معنيا بقضايا أمن الموارد اللازمة لحياة البشر والمناسبة تحمل العنوان التالي: السوق الدولية لعلوم وتكنولوجيا الخضروات.

ويصف مؤلفنا هذه السوق قائلا: إنها حدث راق يضم آلافا من البائعين ويدر على خزانة الصين المليارات من عائدات المبيعات ويحيطه الشعب بمشاعر وطنية فوارة الحماس. في قلب هذا الحدث نصبوا معرضا حافلا بعجائب المنتجات من أصناف الخضر التي عرفها الإنسان وبفضل استخدام أحدث ما توصلت إليه بحوث العلم وتطبيقات التكنولوجيا هنالك ظل الحضور والضيوف الأجانب يطالعون ـ وقد تملكتهم الدهشة إلى درجة الروع أحيانا ـ تماثيل متكاملة وأشكالا عجيبة من الفاكهة والخضر.. وهي تحمل الشعار التالي: مسيرة نحو آفاق التطور العالي بفضل العلم والتكنولوجيا لتحقيق الزراعة الجديدة.

ويمضي المؤلف في وصف ما شاهده في مهرجان الزراعة الحديثة في الإقليم الصيني الذي استضافه.. يحكي للقارئ عن تطورات تكنولوجيا زراعة كل ما يحتاجه الاستهلاك البشري من صنوف الخضر والفاكهة في ظل نظام الدفيئة (الصوبات أو البيوت الزجاجية).. وإلى هذا النمط السوبر ـ حديث من الزراعة تحول ملايين من فلاحي الصين وخاصة من الشباب المتعلم وفي إطار مشاريع رأسمالية صغيرة أو متوسطة الحجم بعيدا عن أساليب الاستزراع والاستنبات العتيقة التي عرفها سكان وادي الأنهار في الأصقاع الصينية منذ آلاف السنين.

وقد انتشرت هذه الصوبات الزراعية في أرياف الصين بل وفي حواضرها.. ويكفي مثلا أن تضم مدينة شوغانغ في إقليم شاندونغ نحو نصف مليون من هذه الصوبات، يقول المؤلف: وبينما كنا نغادر الساحة.. كان مضيفونا يرددون باعتزاز ملحوظ أسماء البلدان التي جاء مندوبوها ومبعوثوها التجاريون ليعاينوا بأنفسهم ناتج «الزراعة الرفيعة والجديدة».. ومن هذه البلدان كان يذكرون أسماء هولندا.. المكسيك.. والفلبين ثم أمريكا التي لا أشك في أن مبعوثيها القادمين من واشنطن كانوا على قدر لا يخفى من الإعجاب العميق.

في نفس اللحظة، وبرغم وهج المناسبة، لا يفوت مؤلف الكتاب أن يسجل ملاحظة لها دلالتها البالغة يقول إن المبعوثين الأميركان كانوا معجبين بل متأثرين بما شاهدوه في شاندونغ.. هذا أمر لا شك فيه. لكن ربما كان لديهم أسباب لهذا التأثر مخالفة لأسباب أصحاب البيت.. الصيني.. ذلك لأن المزيد من هذه البيوت الزجاجية (القائمة على نظرية الاحتباس الحراري ـ التساخن) كان معناها أولا مزيد من الخضر ومزيد من الفواكه.. وهذا أمر طيب بحد ذاته.. ولكن معناها ثانيا ـ ومن الجانب المقابل للمعادلة كميات أقل من سنابل القمح ومقادير أقل من حبوب الذرة.

بعدها يعمم الكتاب النظرة إلى إطار أشمل فيقول: منذ عام 1995 هبط الإنتاج المحلي في تلك المنطقة الزراعية الغنية بالصين بنسبة 20 في المئة.. والمشكلة أن نفس الفترة ما برحت تشهد ارتفاعا متزايدا في الطلب على الحبوب سواء لتلبية احتياجات الإنسان أو لتلبية احتياجات الحيوانات والدواجن من الأعلاف وهي احتياجات ليست فردية ولا عائلية.. بل تتعلق بمتطلبات صناعات شاملة توظف استثمارات بالملايين.

من هنا يصل الكتاب إلى نتيجة يستخدم فيها منطقة شاندونغ الصينية كمثال.. هل تقول عبرة لا بد للعالم الخارجي أن يتدبر دروسها.. يوضح أن تلك المنطقة كانت ثاني أكبر مناطق الصين إنتاجا للذرة فأصبحت الآن مضطرة إلى شراء احتياجاتها من الذرة من جيرانها في سائر المقاطعات.. صحيح أن التكنولوجيا الحديثة طورت لهم إنتاج الخضر والفاكهة، ولكن الصحيح أيضا أن استشراء هذه الظاهرة ـ مع ما تدّره من أرباح على المزارعين ـ أصبح يهدد الصين بشكل عام..

وقد كانت بلدا يعد من كبار مصدّري الذرة.. وهي الآن على وشك التحول إلى استيراد هذا المحصول الأساسي. وتلك في حد ذاتها نبوءة يقول عنها المؤلف: أنها كفيلة بإسعاد مزارعي الذرة الأميركان ومن يتواصل معهم من الوسطاء التجاريين الذين ينظرون الآن إلى بلد مثل الصين بحجم سكانه البالغ حاليا 3. 1 مليار نسمة بوصفها السوق المثالية لاستيعاب فوائض الغلات الأميركية.

والشاهد أن أميركا ليست هي البلد الوحيد الذي يتلمظ شوقا إلى غنيمة السوق الصينية المرتقبة ـ يشاركه في مطارحات هذا الغزل أقطار أخرى مثل الأرجنتين.. الفلبين.. إندونيسيا ـ و.. روسيا (ضع خطا تحت روسيا في إطار ما استجد من تطورات تنذر بحرب باردة من نوع جديد). والشاهد أيضا أن تلك الأقطار ما برحت تتواصل مع الصين وتقدم لها صنوف الإغراءات التجارية عبر ما سلف من سنوات. مع هذا كله فالمسألة ليست مجرد لعبة اقتصادية بمعنى طرف يقوم بالتصدير وطرف آخر يستقبل الواردات. المسألة لها بداهة أبعادها السياسية ـ بل الدولية أيضا.

مرة أخرى يورد المؤلف التعليق التالي: في سوق الغذاء العالمية.. نجد أن الفرصة المتاحة لبلد هي في الوقت نفسه.. مصدر قلق وانشغال لبلد آخر.. وإذا كان استيراد الصين كميات الذرة من الولايات المتحدة أمرا يبهج الزراعيين الأمريكان فهو كفيل في الوقت ذاته بأن يبعث في أوصال حكومة بيجين الصينية مشاعر القلق والتخوّف العميق.. تلك حكومة عودتها الأيام والأحداث ألا تثق يوما في أحوال السوق الدولية بكل ما يشوبها من تقلبات وبكل ما تخضع فيه من مخاطر وربما نزوات سياسية.

وكم أثبتت الأحداث على مدار عقود أن الصين تحملت ويلات المجاعة على نطاق واسع للغاية.. فيما ظل زعماؤها متمسكين بسياسة الاعتماد على الذات في الغذاء رافضين حكاية الاستيراد وما زال بين صفوفهم (في الحزب والحكومة) من يتمسك بهذا الموقف حتى اليوم.. وفي هذا ينقل المؤلف عن شانغ هو أجيان وهو من كبار مسئولي قطاع الزراعة قوله: عندما يتعين على 3. 1 مليار إنسان أن يعتمدوا على الحبوب المستوردة من خارج بلادهم.. فليس هذا هو الأمن الغذائي بحال من الأحوال.

عند هذا المنعطف من عرض القضية.. يتحرك بنا كتابنا من النموذج الصيني في أقصى الشرق.. إلى حيث يناقش النموذج النظري الأشمل في مجال تاريخ وتطور علاقات الأمن الغذائي على مستوى العالم. ويهمنا ملاحظة أن المناقشة تتم من منظور مستقبل اقتصاديات الغذاء في عالمنا.

في هذا المضمار يوضح المؤلف، مع سطور هذا الفصل الخامس، كيف أن العالم درج عبر عقود خلت من الزمن على اتباع نصائح دعاة التجارة الحرة. كانوا يقولون دائما أن مفتاح التقدم في اقتصاد الأغذية ـ كما في دنيا الاقتصاد بشكل عام.. هو أن تطلب دوما الحصول على السلعة الأقل كلفة والأكبر حجما. وفي مجال الغذاء تطبق هذه القاعدة عندما يحثونك على أن تستورد ما يحتاجه الاقتصاد من ذرة أو فاكهة أو دواجن من منتجين في أقطار أخرى يكون بمقدورهم أن ينتجوا هذه الأصناف بسعر رخيص:

في هذه الحالة.. فلا لوم عليك ولا تثريب.لماذا؟ لأنك بذلك عملت على خفض أسعار المواد الغذائية لصالح بني قومك من المستهلكين، وأتحت الفرصة لمواطنيك من المزارعين الفلاحين لكي يستخدموا أراضيهم في أغراض أخرى حسب ما يريدون وما يحقق لهم مصالحهم.

هذا هو الأساس الفكري الذي قامت عليه نظرية الاقتصاد الانجليزي ديفيد ريكاردو (1772-1823) وتعرف في تاريخ علم الاقتصاد بأنها نظرية «الميزة النسبية» ومؤداها كما يبدو من اسمها وكما شرحها ريكاردو في كتابه عن «مبادئ الاقتصاد السياسي» أن الأمم ـ الدول تنعم باليسر الاقتصادي عندما تتخصص في عدد بعينه من المنتجات التي تجيد صنعها على أفضل وجه ثم تتاجر فيها بحرية مع غيرها من الدول على أساس مبادلتها بكل ما تحتاجه الدولة أو الأمة.

اللهم لا اعتراض في رأي مؤلف الكتاب على نظرية «الميزة النسبية» ولو كان قد مضى على طرحها أكثر من قرن ونصف قرن. لكن المشكلة فيما جاءت به ظروف عالمنا الراهن من مستجدات وتطورات.. أن إنتاج الغذاء لم يعد مجرد بذور أو شتلات تطرح في الأرض وتترك إلى أن تعطي الغلة أو الثمرات.. لقد ازدادت المسألة تعقيدا في عصرنا..

ودخلت إلى مسرح الإنتاج مشاكل من قبيل الكيماويات المستخدمة في الزراعة وأهمية التخلص من آثارها.. والمبيدات التي يكافح بها المزارع ما قد يصيب إنتاجه المرتقب من آفات وكلها مواد كيماوية ذات آثار ضارة.. وهناك أيضا عمليات الصرف الصحي للتخلص من نفايات الماشية والدواجن.. فما بالك بالإمعان في تعظيم الغلات وتكبير الأحجام وتوليد السلالات الغربية وكثير منها محاولات ضد فطرة الأشياء بل ومنها ما ثبت أنه ضار في التحليل الأخير بصحة المستهلك ـ الإنسان.

لقد كان الاقتصار على محصول أو اثنين ممكنا في زمن الاكتفاء الذاتي حيث كان كل بلد ينتج ما يكفيه أو ما يكاد يكفيه ـ وحيث كان ثمة صنف يحمل اسم المحصول الأساسي أو الطبق الشائع أو صنف الطعام التقليدي مثلا: خبز الشعير في أفريقيا.. صحن الأرز في آسيا.. طبق الإسباجيتي في إيطاليا.. حساء الكرنب في روسيا.. حبات البطاطس في غرب أوروبا.. رغيف القمح في العالم العربي.. إلى آخره.. في تلك الفترات التي امتدت حتى القرن التاسع عشر لم يكد العالم يعرف «تدويل» الغذاء..

لكن النظام العالمي للأغذية ظهر مع حلول القرن العشرين وخاصة مع تطور المنظومات الإعلامية التي نقلت إلى أهل الشرق أساليب الحياة في الغرب والعكس بالعكس. هنالك انفتحت شهية أعداد غفيرة ومتزايدة من البشر تنتمي إلى مختلف الثقافات والمناطق والعقائد والقوميات.. وسادت بين معظم هؤلاء الناس عادات كانت محدودة في بعض أقطارهم.. ولكنها تأثرت بالذات بأسلوب الحياة الأمريكي مجسدا في تفضيل تناول الطعام في المكان العام.. المطعم.. المقهى.. النادي.. محل الوجبات السريعة (فاست فوود) بدل تناوله في حجرات المائدة التقليدية في داخل البيوت.

ولو كان الأمر قد اقتصر على قطر صغير هنا أو بلد متوسطة الحجم والسكان هناك.. لهان الأمر لكن المشكلة هي أنه دخلت الصين حلبة الاستهلاك زيادة في الكم وتنويعها في الأصناف.. فما بالك وقد أصبح سوقها الاستهلاكي يحمل في تصنيف الخبراء الاسم التالي: أم الأسواق.
رد مع اقتباس
  #5  
قديم 19-12-08, 04:59 مساء
عبد السلام عبد السلام غير متواجد حالياً
مشرف
 
تاريخ التسجيل: Oct 2003
المشاركات: 4,264
رد: كتاب - نهاية الغذاء ـ الحلقة (5)



العالم ينتقل من الثورة الخضراء إلى خطر المجاعة في30 عاماً


يجد القارئ نفسه هنا على موعد مع تحليل معمق لمجمل الأسباب التي قادت العالم من الثورة الخضراء بكل إنجازاتها في الستينيات على الوقوف وجها لوجه أمام المجاعة التي ضربت العديد من أرجاء العالم، وفرضت على الجميع السعي للوصول إلى حلول حاسمة لأزمة الغذاء الراهنة التي تعد الأكثر خطورة منذ عقود عدة.

ولا يتردد المؤلف في ضم صوته على العديد من الخبراء الدوليين الذين يشيرون إلى أن هذه المجاعة أكثر تعقيدا من أن يتم تفسيرها بمتغير واحد أو حتى بعدد محدود من المتغيرات. حقا أنه لا يمكن التقليل من أهمية تأثير التغير المناخي لكن هناك العديد من الأسباب الأخرى التي لابد من معالجتها وإلا تفاقمت الأزمة على نحو لا يسهل تداركه.

ويحذر المؤلف أخيرا من أن اقتصاديات الغذاء تتسم بدرجة من الهشاشة تجعلها قابلة للتعرض لتأثير العديد من العناصر الثانوية.

في سنة 2000 أعلنت الجمعية العامة للأمم المتحدة غايات كبرى في دورتها التي عقدتها في سبتمبر من العام المذكور احتفالا بحلول حقبة زمنية جديدة من عمر البشرية هي القرن الحادي والعشرون.

هذه الغايات الثماني مازالت تحمل اسمها الذي أصبح شهيرا في أدبيات العمل الدولي وهو: الأهداف الإنمائية للألفية جاء في مقدمة هذه الأهداف، ولعل أولاها بالاهتمام هدف العمل بكل وسيلة على تخفيض عدد فقراء في العالم إلى نسبة النصف بحلول عام 2015. يشكك كثير من مراقبي المشهد الدولي في إمكانية بلوغ هذه الغاية الطموحة والحيوية بالنسبة لمستقبل البشر على ظهر هذا الكوكب.. وإذا كان المحللون يسوقون أسبابا شتى.. وجيهة ومعقولة بحد ذاتها كمبرر لتعثر البشرية في مواجهة الفقر في العالم.. ومنهم من يذكر بحق وموضوعية اندلاع الحروب واستمرار الصراعات وشبح عودة الحرب الباردة.

مع هذا كله فثمة سبب أخر محوري وحيوي أيضا وتلخصه كلمة واحدة هي: الجوع بمعنى أن تواجه قطاعات شتى من بني الإنسان شحة الأقوات وندرة الموارد الغذائية لدرجة تصيب بالاعتلال الصحي وتؤدي إلى زيادة معدل الوفيات.

يرتبط بآفة الجوع الذي يصيب الإنسان.. غائلة الجفاف التي تجتاح مناطق شتى من العالم ـ ولا سيما القارة الأفريقية. ومؤلف الكتاب يتعرض لقضية الجوع على صفحات الباب السادس.. ويسوق عدة أسماء لأقطار وشعوب يتردد ذكرها بتواتر محزن في ميديا الإعلام الدولي.. أسماء من قبيل: تشاد، النيجر، زمبابوي، جيبوتي، الصومال، تضاف إليها أسماء مستقاة من قائمة اعتمدتها منظمات التمويل والغوث والمعونة الدولية بوصفها أقل البلدان نموا..

وفي هذا الصدد يقول المؤلف: إن تردد هذه الأسماء مقرونا بجائحة الجوع يجعل من الصعب تصور المعاناة التي ينوء بها الناس في تلك المناطق من حيث والخسائر في الأرواح.. واستدامة الأزمات. ثم يفصل المؤلف الحديث قائلا (ص 146): كل 12 شهرا وعبر مناطق الصحراء الأفريقية يموت أكثر من 10 مليون إنسان.. فيما يظل مئات الملايين من أهل تلك الأصقاع يكابدون المعيشة في ظل نظام غذائي متدهور باستمرار وكأنهم يعيشون كوابيس تعود إلى زمن القرون الوسطى من حيث الكد والإجهاد والمرض .

بل أن أفريقيا، رغم كل ما تعانيه ليست هي المنطقة الوحيدة المنكوبة بنقص الأقوات وإصابات الجوع في عالمنا.. إليك الهند ـ يضيف المؤلف ـ التي كانت قد أنجزت ما كان يعرف باسم الثورة (الزراعية) الخضراء ومع ذلك فالهند تكافح اليوم لإطعام 200 مليون إنسان من مواطنيها يعانون شحة الغذاء وهم يضمون بين صفوفهم زمرا من أشد الأطفال معاناة لسوء ونقص التغذية في عالم اليوم.. وقبل أن يحتج الأفارقة أو الهنود ينقل مؤلفنا ظلال المأساة البشرية إلى أغنى بلاد الوفرة والترف في العالم ـ الولايات المتحدة: ويضيف قائلا :

- حتى في أميركا.. تفيد الإحصاءات بأنه من بين كل 6 أطفال هناك طفل واحد يعاني من قصور في تلبية احتياجاته من الغذاء بمعنى نقص التغذية. في كل حال.. تدل أبعاد صورة الجوع الشاملة عالميا على أن هناك نحو 900 مليون إنسان ـ بمعنى سُبع سكان المعمورة يعانون سوء التغذية (وهو مرض له عواقبه النفسية والبديّنة) + بليون إنسان آخر يعانون من نقص مزمن، وغالبا مدمر من حيث الحرمان من العناصر الغذائية السليمة واللازمة لسلامة الصحة بل لاستمرار الحياة.

ثم يعلق المؤلف في عبارات تقول بدورها: في ضوء هذه الإحصائيات.. بل في ضوء حقيقة لا ننكرها وتفيد بأن الطعام في هذه الحقبة ـ العصر الحديث أصبح أرخص سعرا وأيسر منالا من عصور سلفت في تاريخ البشرية.. هذه الحقيقة باتت رغم هذا كله تؤكد أن الاقتصاد الغذائي الذي يتبعه العالم حاليا أصبح عاجزا بصورة كارثية عن تلبية الحاجة القصوى رقم واحد وهي: الطعام لكل فم.

وحين يعرض المؤلف إلى هدف القضاء على الفقر ـ بالتحديد نصف الفقر بحلول العام 2015 يلاحظ أن المسألة لم تقتصر فقط على تعثر المسيرة نحو بلوغ هذه الغاية بل إن عددا كبيرا من الأطراف المعنية تتحرك عكس هذا الاتجاه: صحيح أن إنتاج الغذاء يتحسن، ولكن الأصح أن عدد السكان يزداد.. بوتيرة أسرع بكثير سنويا من معدل زيادة كميات الغذاء اللازمة لإطعام الأفواه.. ولدرجة أن عدد الذين لا يجدون ما يكفي لإقامة الأوّد زاد بمقدار 7 ملايين نسمة.

ومن عجب أن بعض الخبراء المعنيين يوجهون أصابع اللوم أحيانا إلى البلاد المنكوبة ذاتها على أساس أنها لم تعتمد السياسات الناجعة ولا اتخذت سبل الاستعداد السليمة لمواجهة حالات نقص الغذاء وجوع السكان. وإذا كان بعض هذا صحيحا إلى حد ما.. فإن ثمة عوامل يشير إليها المؤلف وتتجاوز بكثير إرادة وقدرة وإمكانات ورغبات الأقطار والشعوب التي تواجه غوائل الفقر والحرمان.

** خذ مثلا.. بل أمثلة عديدة: تغير المناخ له تأثيراته المدمرة على إنتاج الأغذية في أفريقيا وفي أغلب أقل البلدان نموا.. وهذه التقلبات في أنواء الطبيعة ـ الجفاف ـ الأعاصير ـ موجات التسونامي.. خلل مواسم الأمطار وشحة معدلات هطولها.. كل هذا قد يوصل أفريقيا إلى أن تفقد نصف.. نعم نصف غلات محاصيلها بحلول عام 2020. وهي نتيجة علمية ينبغي أن تؤخذ على أكبر محمل من الجد العميق لأنها صادرة عن هيئة دولية مسؤولة وبالغة الاحترام تحمل الاسم التالي الذي يعرفه كل مشتغل بقضايا البيئة والمناخ في العالم: الفريق الحكومي الدولي المعني بتغير المناخ .

ومن المفارقات أن بداية هذه الأزمات في توافر المواد الغذائية كان مسرحها الزمني هو الربع الأخير من القرن العشرين.. ومنذ خمسينات إلى سبعينات ذلك القرن كانت أقطار شتى من العالم تشهد ما يمكن وصفه بأنه (الثورة الخضراء).. يومها دخل الساحة الدولية أقطار العالم الثالث التي حققت حلمها بالاستقلال الوطني وراودتها أحلام وطموحات في معيشة أفضل تعوض شعوبها عما سبق وعانته من ويلات الاستغلال والهيمنة الأجنبية خلال الحقب الكولونيالية التي كان بعضها يرجع إلى القرن 19.

في هذا السياق يوضح كتابنا أن الفترة بين عامي 1950 و 1965 شهدت في المكسيك مثلا زيادة محصول القمح ثلاثة أضعاف مما جعل ذلك البلد مكتفيا بذاته من ذلك المحصول بعد أن كان يستورد 60 في المائة من احتياجاته من القمح. في عام 1965 نجحت كل من باكستان وتركيا في تحقيق أرقام قياسية من غلة محاصيل القمح فيما نجحت الفلبين في تحقيق محصول وفير من الأرز وزاد محصول القمح في الهند لدرجة فاقت قدرة صوامع التخزين..

كل هذه النجاحات التي شهدها عقد الستينات بالذات دفعت ويليام جود رئيس وكالة التنمية الأميركية أن يعلن في خطاب شهير ألقاه في عام 1968 فيقول: لقد تحققت غلات قياسية وتم إنتاج محاصيل بأحجام غير مسبوقة في كل أنحاء العالم النامي ولا سيما في آسيا.. وبهذا أصبحنا على حافة ثورة زراعية.. وأنا أصفها بأنها الثورة الخضراء. فما الذي حدث إذن؟ ما الذي أدى إلى انقلاب الموازين ؟

بين مالثوس وأمارتيا سن

يحاول المؤلف بحث الإجابة فيوجه اهتمام القارئ أولا إلى مشكلة تزايد السكان بمعدلات أعلى بكثير من زيادة الموارد.. تلك هي أسس النظرية الشهيرة التي سبق إلى إعلانها الاقتصادي البريطاني « روبرت مالثوس » في أطروحته المتشائمة التي نشرها في عام 1789 بعنوان « مقالة عن مبدأ السكان » .

ورغم أن طروحات مالثوس وجدت باستمرار من يفندها على أساس أن العالم يتقدم وأن توصل الإنسان إلى الآلة ومعها طاقات التجار ثم الكهرباء ثم تفجير النواة (الذرية) وما إليها.. كفيل بأن يحقق التوازن المنشود بين الإنسان والموارد ـ رغم هذا كله، فقد جاء الربع الأخير من القرن الماضي ليعيد من جديد طرح المشكلة.. ويعبر عنها اقتصادي معاصر هو بول أرليتس في كتابه الذي نشره عام 1968 وبشر فيه ـ أو بالأدق أنذر بأفكار (نيومالثوسية) تحذر من مزيد تدهور الوضع الغذائي في العالم.. من حيث الإتاحة والكمية والأسعار وإمكانيات التنبؤ والتخطيط وذلك في حال استمرار التزايد المطرد في حجم السكان.. ولهذا جاء عنوان الكتاب كما يلي:

القنبلة السكانية

هذه الاتجاهات التشاؤمية وجدت من يتصدى لها.. يحيلنا الكتاب مثلا إلى المفكر الهندي «أمارتيا سن» أستاذ الاقتصاد والتنمية، الحاصل على جائزة نوبل .

يقول البروفيسور «سن»: أن زيادة السكان قد لا تشكل بالضرورة العامل الأوحد الذي يسبب أزمة الغذاء في الحاضر أو المستقبل.. إن «أمارتيا سن» يعرض لعوامل أخرى منها انخفاض المستوى الاقتصادي.. يقول أن صنوف الأغذية قد تكون متوافرة في السوق..

ولكن قطاعات وشرائح عريضة من السكان (ربما بحجم الملايين) لا تستطيع شراءها لضآلة مواردها المالية وانخفاض ما تتقاضاه هذه القطاعات من أجور نظير ما تؤديه من عمل هناك أيضا تردي الهياكل والمرافق الأساسية في البلاد.. ومن ذلك مثلا أن سوء شبكات الطرق وتردي إمكانات النقل مما.. يحول دون وصول السلع الغذائية الأساسية من أماكن إنتاجها إلى أسواق تصريفها ومنافذ استهلاكها وحتى إذا بلغت هذه المنافذ والأسواق.. ترتفع أسعارها بارتفاع تكاليف النقل والتوصيل .

مؤلف كتابنا يركز كدأبه في هذا السياق بالذات على أن ليس هناك عامل واحد ولا عنصر بمفرده يمكن أن يعزى إليه ذلك الخطر الماثل حاليا والداهم مستقبلا مما يهدد تلبية الاحتياجات الغذائية لسكان عالمنا.المؤلف يطل على المشكلة ـ وهو ما نوافقه عليه ـ من المنظور الذي انطلقت به طروحات هذا الكتاب وهو : أن الغذاء لم يعد مجرد معادلة ذات طرفين محددين أولهما الإنتاج والثاني الاستهلاك بل أن المسألة أصبحت منظومة متكاملة تضم عناصر التخطيط والإنتاج والتجهيز والنقل ثم التعامل مع آليات السوق بكل ما أصبح يكتنفها من تعقيد .

في عبارة موجزة يقول مؤلف الكتاب (ص 173): إن اقتصاديات الغذاء تتسم بدرجة من الهشاشة تجعلها منكشفة ومستضعفة حتى أمام العقبات الثانوية: يكفي أن يقع جفاف أو فيضان أو صراع على الحدود، وبعدها يمكن أن تتعرض منظومة الغذاء بأكملها إلى الانهيار .


رد مع اقتباس
  #6  
قديم 20-12-08, 05:29 صباحاً
عبد السلام عبد السلام غير متواجد حالياً
مشرف
 
تاريخ التسجيل: Oct 2003
المشاركات: 4,264
رد: كتاب - نهاية الغذاء - الحلقة الأخيرة ..


«المطبخ الجديد» أول خطوة لمعالجة أزمة الغذاء


يخلص المؤلف في ختام تحليله لعناصر أزمة الغذاء العالمية وأسرار تفاقمها وتعقيدها إلى القول بمجموعة مهمة من الأطروحات التي يرى أن مواجهة الأزمة لابد لها من المرور بها على نحو حتمي.

فلابد أولا من إصلاح سلسلة غذاء البشر التي يقول إنها قد تبدأ من غابات الأمازون ثم لا تنتهي في محال السوبر ماركت وهو يحرص على التحذير من خطورة النتائج المترتبة على الإفراط لأنه يعني من الناحية العملية استنفاد الموارد وهو يطالب بأن يتحول الترشيد إلى نمط للسلوك لا يغيب عن الأنظار. وعلى الجانب الآخر من معادلة الغذاء فإنه يرى في محاربة الجوع ضرورة قصوى لابد من انجازها اليوم قبل الغد لأنها مهمة غير قابلة للتأجيل بأي معيار. وذلك في ضوء النتائج الخطيرة المترتبة على تفاقم أزمة الغذاء وخاصة بالنسبة لدول العالم الثالث وعلى وجه التحديد الافريقية منها.

من واقع المعلومات التي ساقها المؤلف عبر صفحات الكتاب، فضلا عن الآراء التي طرحها عبر مسيرة البحث، يخلص إلى أن مواجهة الأزمة المحدقة بعالمنا وتنذر كما يؤكد من جانبه بنهاية عصر الغذاء المتاح بكميات كافية وأسعار متهاودة، هذه المواجهة لا تتم ولا تنجح في رأي المؤلف إلا بأن يبادر العالم إلى اتخاذ إجراء جذري.. وربما نقول ثوري.. تلخصه عبارة من كلمتين بالفرنسية: نوفيل كوزين، أوالمطبخ الجديد. وتعني إدخال تغييرات أساسية على الأساليب التي يتعامل بها إنسان هذا الزمان الصعب مع الغذاء.. من حيث أصنافه وأطباقه.. مذاقاته ـ نوعياته، طرائق طهيه.. ثم كمياته وجدواه الطبية والصحية إضافة إلى موقعه من منظومة الطعام المعاصرة من ناحية الإنتاج والتجهيز.. والتعبئة والتغليف والنقل والطرح والتعامل في أسواق الجملة والتجزئة.

في الصفحات الأخيرة من الكتاب، يعترف المؤلف بأن صناعات الأغذية في أميركا ظلت تمارس ما يتصوره نوعا من التمويه سواء على صانعي القرار أو على جمهور المستهلكين مدعية أن كل شيء على ما يرام وأن لا خوف إطلاقا على مستقبل الغذاء لا في أميركا ولا في العالم.

وقد تنطلي مثل هذه الصورة البراقة على بسطاء المستهلكين، لكن يظل من واجب أهل الرأي والعلم أن يتأملوا ما وراء هذه الرتوش الزاهية المموهة بألوان الطيف: سوف يجدون ـ كما يؤكد المؤلف (ص 299 ـ 300) أن خلف الفاكهة المرصوصة واللحوم والدواجن المعروضة منظومة غذائية عالمية شاملة (غلوبالية كما يسميها الكتاب) وقد استبد بها الإجهاد وأصابتها أمراض الوهن والتوتر والاستنزاف سوف يطالعون أطنانا من الكيمياويات تدخل في تركيب المأكولات الزراعية وتنتقل عناصرها الكيماوية إلى جسم الإنسان مسببة أمراضا فتاكة..

سوف يطالعون تربة للزراعة أصابتها أمراض التحلل والتآكل. سوف يشاهدون مراعي في قارات مثل أفريقيا أو استراليا وقد كاد الغطاء النباتي الذي يسترها ينوء من الزيادة الباهظة في عدد رؤوس الحيوان.. تماما كما أدت أساليب الصيد الجائر (مصطلح الأمم المتحدة ؟ اتفاقية قانون البحار) إلى استنفاد أنواع ثمينة من الأرصدة السمكية التي كانت بمثابة ثروة نفيسة وهبها خالقها عز وجل إلى بني البشر.. سوف يجدون مزارع كانت منتجة وكانت تزدان بخضرة الزروع ونضارة البراعم ويانع الثمرات..

فإذا بها تتحول إلى مولات ـ أسواق مركزية مودعة في بنايات تستهلك مزيدا من الطاقة وتنفث مزيدا من الانبعاثات الكربونية وتلتهم مزيدا من وقت الناس ومن أموالهم واهتماماتهم وتكاد تقف شاهدا على أن أغرقت الإنسانية نفسها في حمئة الاستهلاك.. سوف يطالعون مشكلة انخفاض منسوب المياه العذبة في مجاري الأنهار.. وارتفاع منسوب المياه المالحة ومياه الصرف الصحي التي تسربت من فرط النشاط الحضري (في المدن) إلى جوف الأراضي فإذا بها تصبح كالكائن البشري المصاب بآفة الاستسقاء.

سوف يصادفون صوامع ـ مخازن الغلال وقد كادت تؤول إلى الخواء بسبب زيادة المطلوب لزوم الاستهلاك الذي فاق كل المعدلات سواء من حيث الكم أو من حيث تنوع الأصناف، دع عنك ما أصبح نمطا من سلوكيات إنسان العصر للأسف متمثلا في زيادة معدلات الصرف والإفراط ومن ثم زيادة معدلات الهدر والإهلاك. ويشير المؤلف في هذا الصدد إلى الحقائق المفزعة التي كشف عنها بروفسور بول كروجمان فيما يتعلق بأسرار أزمة الغذاء ويشير إلى الآمال الكبار المعلقة على خطط الإدارة الأميركية الجديدة وعلى رأسها باراك أوباما لتحريك الاقتصاد الأميركي.

ويورد مؤلف الكتاب تعليقه.. فيقول: في واقع الأمر.. فكلما مضت الأيام أجد نفسي حيال صور مغايرة تماما.. يرسمها الفكر والخيال.. صور أرى فيها منظومة الغذاء البشري وقد أغلقت أبوابها أو انسدت مسالكها وأتصور كيف أن هذه الأرفف الحاشدة بصنوف الطعام يمكن أن تخلو إذا ما وقعت حوادث أو نجمت عوائق تفوق في جسامتها قدرة منظومة الغذاء العالمي على الأداء والاستمرار.

وقبل أن نسأله عن تصوراته لمثل هذه الحوادث أو العراقيل.. يبادرنا قائلا: إنها أحداث قد تشمل مثلا اندلاع وباء يجتاح أجزاء شاسعة من عالمنا وخاصة تلك التي تخصصت في إنتاج أنواع حيوية من الأغذية ـ اللحوم أو الدواجن مثلا.. وباء من قبيل الأنفلونزا..

وقد انتشر في العالم باسم الأنفلونزا الأسبانية في الربع الأول من القرن العشرين ثم عاود الانتشار باسم الأنفلونزا الأسيوية عام 1957 وراح ضحيته عشرات الملايين من البشر وربما لطف الله بالمعمورة فخف انتشار أنفلونزا الطيور بعد السنوات الخمس الأولى من القرن الجديد.. ومع ذلك فالمؤلف يسوق أبعاد السيناريو العلمي الذي وضعه »معهد السياسة الدولية« في سيدني ـ استراليا.

مشيراً إلى آفة أنفلونزا الطيور إياها انطلقت قنبلة عدواها من مزارع البط في قارة آسيا.. ويقدر المعهد الاسترالي أن يهلك من ضحاياها نحو 14 مليون إنسان مع ما تسببه من أضرار جسيمة تلحق باقتصاديات العالم بشكل عام وقطاع الأغذية على نحو خاص.

صحيح أن مثل هذا الوباء بدأ في آسيا ـ لكن الصحيح أيضا أن المعهد الاسترالي ينبه إلى أن مثل هذا الخطر سيكون أفدح إذا ما وصل إلى أفريقيا السوداء التي تفتقر فيها ملايين السكان إلى أسباب الوعي والوقاية والاحتياطات الصحية. ناهيك عن الفقر المدقع الذي يدفع الإنسان إلى أن يأكل كل ما تقع عليه يداه.

وحتى بصرف النظر عن اندلاع أوبئة فتاكة.. فالمؤلف يحذر البشر أيضا من آفة الإقبال على استهلاك صنوف الطعام ؟ يقول بغير مواربة: لقد أصبحنا.. أفدح وزنا وأشد جوعا وأكثر نهما لالتهام الطعام.. والمشكلة أن توافر الطعام أمامنا ليس بالأمر السهل على نحو ما قد يتصور الناس.. لن يتوافر ببساطة إذا ما أصيبت بأي مشكلة أي حلقة من حلقات سلسلة التوافر..

إذا ما وقعت أزمة في الطاقة ـ مشكلة في وسائل النقل.. قضية من قضايا التوصيل أو التجهيز فما بالك بالارتفاع المتصاعد في معدلات الأسعار. وبديهي أن ليس هناك حل سحري للتعامل مع المشكلات التي قد تعتري سلسلة توفير الطعام. لكن الخطوة الأولى الناجعة تكمن في أمر جوهري واحد وهو: تغيير سلوك الناس إزاء الغذاء.

وهو ما يوجزه المؤلف قائلا بغير مواربة: لا يكمن التحدي في أهمية أن نعمل على زيادة المعروض من الأغذية.. التحدي الأهم هو أن نعمل على تقليل الطلب على الغذاء خاصة على اللحوم بأنواعها (ص 315). لأن الاستمرار ـ دع عنك الإمعان ـ في استهلاك تلك الأصناف كفيل بأن يصل بالبشرية يوما ليس بالبعيد إلى وضع لا تستطيع فيه الموارد المحدودة أن تلبي الطلبات التي تتزايد بغير حدود.

ومن المفارقات أن يأتي الارتفاع الذي طرأ مؤخرا على أسعار الحبوب ليكون فيه فائدة تتمثل في جعل إنتاج اللحوم أقل جاذبية لجماهير المستثمرين. في هذا الإطار يلزم خفض المقادير المستهلكة من اللحوم بالنسبة للأفراد، ربما لحساب زيادة في مقادير الاستهلاك النباتي..

ويلزم أيضا توعية الآباء بمغبة الإمعان في إطعام أطفالهم بالأصناف المستحدثة من الأغذية التي يتم تجهيزها باستخدام نسبة خطيرة من الدهون الثقيلة المصنّعة التي تصيب الطفل ببدانة مفرطة من ناحية وترفع في دمه نسبة الكولسترول والسكري الضار من ناحية أخرى، وتلك مشكلة أكدت نفسها حاليا في مجال طب الأطفال في بلد مثل الولايات المتحدة باعتبارها نموذجا مازال يحتذى في السلوك الذي يحمل أوصاف العصرية ـ الحداثة ـ الشياكة ـ وما إليها.

من ناحية أخرى يؤكد المؤلف أن تغيير سلسلة الغذاء ـ أو استحداث المطبخ الجديد ـ نوفيل كوزين كما يسميه ـ لا يقتصر على تغيير موائد طعامنا ولا حتى تبديل سلوكياتنا أو مواقفنا إزاء ما نتناوله من صنوف الغذاء.

الأمر أشمل من ذلك بكثير: أنه ينصرف إلى رصد الاعتمادات المالية الكافية لإجراء البحوث والتجارب العلمية الكفيلة باكتشاف أساليب وتقنيات جديدة في مجالات الزراعة والتجهيز وإعداد أنواع الأغذية من أجل طرحها في الأسواق.. معناه أيضا إدخال إصلاحات على نظم تغذية التلاميذ بالمدارس أو العمال في مواقع الإنتاج والخدمات بعيدا عن سقط المتاع من الطعام ـ ويعرف في المصطلح الشائع باسم »جنك فوود«. وهو أنواع الأطعمة المفعمة بأصناف من مكسبات اللون والطعم والرائحة ولكنها في نهاية المطاف تعد من غثاء الغذاء كما قد نقول.

وينصرف الأمر أيضا إلى وضع القوانين واللوائح التي تلزم كل الهيئات والجهات المسؤولة عن إطعام هذه الفئات من الطلاب أو العاملين أو أفراد القوات النظامية في الجيش والشرطة.. ومن ثم المستهلكين.. بأن تراعي المواصفات التي تحددها قوانين الصحة والوقاية والنظافة والبيئة.

في كل حال فعندما يدعو بول روبرتس مؤلف هذا الكتاب إلى إصلاح سلسلة غذائنا كما يسميها فهو يدعو بإخلاص إلى أن يتم هذا الإصلاح من خلال المنظور الأوسع لتدبير غذاء البشرية وبمعنى أن مسؤولي هذا التدبير ـ الحيوي بالطبع ـ لا بد وأن يدركوا أن السلسلة مؤلفة من حلقات متداخلة ومنها ما قد ينتمي إلى الغابات المطيرة في حوض الأمازون بالبرازيل أو إلى أشجار الكاكاو في غرب أفريقيا أو إلى حقول الأرز في جنوب شرقي آسيا أو إلى مراعي الأبقار في الأرجنتين ـ أميركا الجنوبية..

هذه السلسلة الحيوية أقرب في التشبيه إلى جسم الإنسان إذا شكا منه عنصر.. أو إذا اختل التوازن في عضو بسبب غدرات الطبيعة أو جشع الإنسان.. تداعت له سائر حلقات السلسلة بحمى أمراض اقتصادية في مقدمتها الشحة والنقص أو اجتماعية في جوهرها الفقر والحاجة.. وفيما بينها أمراض عضوية تصيب البشر على أساس معادلة متطرفة الجوانب.. أولها جانب التخمة حتى البدانة.. وآخرها جانب سوء التغذية حتى السقم والهزال.

وبمناسبة طرفي المعادلة: يختم المؤلف طروحات كتابه موضحا أن البطر.. الإفراط هو العلة الأخطر لأنه يعني استنفاد الموارد وترهل الهمة على صعيد الحضارات. وإذا كان الحرمان والجوع هو الطرف الآخر لنفس المعادلة فربما يكون هذا الحرمان هو الدافع الأوفق نحو الترشيد.. ومحاربة الإسراف وإعمال العقل في التصدي لمشكلات الغذاء.

رد مع اقتباس
  #7  
قديم 20-12-08, 06:01 صباحاً
عبد السلام عبد السلام غير متواجد حالياً
مشرف
 
تاريخ التسجيل: Oct 2003
المشاركات: 4,264
نهاية الأغذية ...


أظهرت الوقائع أن المنظومة الغذائية الأميركية تعاني الكثير من نقاط الضعف وعدم الكفاءة، ويحاول بول روبرتس في كتابه «نهاية الغذاء» معالجة قضية أزمة الغذاء الناشبة في العالم. ويشرح المؤلف نقاط الضعف الكبيرة الكامنة في آلية عمل الاقتصاد الغذائي العالمي. كما يبيّن مواطن الخلل الكبرى في النموذج السائد على الصعيد الصناعي للإنتاج الغذائي، وذلك على مدى ثلاثة أقسام رئيسية يتألف منها الكتاب مع مقدمة وخاتمة.

يقول بول روبرتس في المقدمة انه بعد عقود من الحديث «الرنّان» عن أن المنظومة الغذائية الأميركية هي الأفضل عبر سلسلة دقيقة للإنتاج والتوزيع وتوفير ملايين الأطنان من الأطعمة لعدة مئات الملايين من المستهلكين، أظهرت وقائع عديدة أن هذه المنظومة تعاني من العديد من نقاط الضعف ومن عدم الكفاءة.

هذا ما آلت إليه نتائج استقصاءات وتحقيقات حول شركات الإنتاج الغذائي الكبرى، وهذا ما يحاول الكتاب تقديم البراهين عليه. إنه يؤكد منذ البداية أن المنظومة الغذائية الأميركية الحديثة« لا تعاني فقط من التشوش ولكن هناك أيضا تباين كبير بين الاقتصاد الغذائي الحديث وواقع أن مئات الملايين من البشر لا يستطيعون سد حاجتهم من الغذاء.

وما تؤكده التحليلات المقدّمة أيضا هو أن أوضاع الصناعة الغذائية قد بدت عليها «أعراض» الخلل اعتبارا من عام 2004 تسوء أكثر فأكثر بعد ذلك. نقرأ: كانت هناك بالتأكيد مشكلة أمن غذائي، وكانت هناك مخاوف حيال موضوع المنتوجات الغذائية المستوردة، ومشاغل بخصوص موضوع الزراعة الغذائية. ثم أضيفت مشكلة الطاقة البيولوجية ـ اعتمادا على المزروعات ـ لتشهد الأسعار ارتفاعا كبيرا.

هذه العوامل كلها كانت لها آثارها السلبية على آلية عمل الاقتصاد الغذائي العالمي، والمظهر الأساسي في هذا الخلل يحدده المؤلف في كون أن الموديل السائد على الصعيد الصناعي في ميدان إنتاج الأغذية لم يعد قادرا على تأدية دوره بالصورة المطلوبة، وهو الذي كان قد توصل إلى تأمين مختلف وجبات الطعام بـ «أبسط» كلفة ممكنة حتى الآن، وذلك اعتمادا على أحدث التكنولوجيات.

يحلل المؤلف ظاهرة «أزمة» الصناعة الغذائية في العالم عامة، وفي الولايات المتحدة خاصة بالاعتماد على تاريخ التغذية وسياساتها، وكذلك يدرس مختلف الأنظمة المعقّدة الداخلة تحت العنوان العريض لـ «الصناعة الغذائية»، هكذا يهتم بمسائل الطاقة التي تشكل عاملا في كلفة الإنتاج ومسائل البحث عن طاقات بديلة (بيولوجية) وأيضا ما يخص ارتفاع أسعار المنتوجات الغذائية والسياسات الحكومية للولايات المتحدة الأميركية والقانون التجاري الدولي ومسائل الصحة الإنسانية.

كذلك يتم التركيز في معرض البحث عن أسباب الأزمة الغذائية على تكريس مساحات واسعة أكثر فأكثر لزراعات الحبوب، وذلك ليس بقصد توفيرها كمواد أساسية لأوسع الشرائح من السكان عامة وإنما من أجل إجراء بحوث ترمي إلى التوصل لمصادر طاقة بديلة عن البترول والغاز.

ونتيجة هذا هي خسارة هامش يتعاظم أكثر فأكثر بالنسبة للصناعة الغذائية. ويقول المؤلف بهذا الصدد: أعتقد أن هذه المسألة معقّدة جدا ذلك أننا نحتاج حقيقة إلى حلول بديلة للبترول. ولا أعتقد أنه من المنطق ولوج سبيل سوف يؤدي إلى تكريس مساحات زراعية واسعة كانت مكرّسة أصلا للمنتوجات الغذائية، على الأقل لا ينبغي ولوج مثل هذا السبيل قبل التأكد حقيقة من تأمين الأغذية وتلبية الطلب المتزايد عليها.

ويؤكد المؤلف بأشكال مختلفة في هذا الكتاب أنه لا يسعى أبدا إلى إشاعة أجواء من القلق. »لا أريد أن أدفع الناس نحو حالة من الشلل بفعل الخوف«، كما يقول، قبل أن يضيف: لكنني أعتقد أنه من المهم فعلا أن يبدأ الناس بالاعتراف أنه ليس من المؤكّد أنهم سوف يكونون قادرين بالقطع على الحصول على الأغذية المطلوبة جميعهم.

ويبرهن المؤلف من خلال العديد من الأمثلة الملموسة في الواقع المعاش على عمق التحديات التي تواجهها المنظومة الغذائية العالمية إجمالا. هكذا تُبدي تجربة بلد إفريقي مثل كينيا أن التكنولوجيات، بما فيها الأكثر حداثة، تتأقلم غالبا بشكل سيئ مع شروط المناخ والتربة والبنى الأساسية ـ التحتية ـ الإقليمية.

وعلى ضوء التجارب المدروسة يتم التأكيد على ضرورة تكريس ميزانيات أكبر للبحث في قطاع الزراعة لإيجاد حلول غذائية «مستدامة» أكثر، ذلك أنه هناك اليوم تهديد حقيقي لنضوب العديد من المنتوجات الزراعية، وأنه ستكون هناك »صفوف طويلة« قريبا من أجل إمكانية شراء الزيوت مثلا بـ «أسعار منخفضة». والأمر نفسه بالنسبة للسكّر وغيره، هذا إلى جانب اللجوء أكثر إلى المواد الحافظة واستخدام أكبر لمبيدات الحشرات في الزراعة. كذلك وبمقدار ما تزداد حدّة ندرة المواد الأساسية سوف تزداد أيضا حدّة التفاوت بين أولئك الذين يستطيعون، والذين لا يستطيعون، الحصول عليها.

«نهاية الأغذية» كتاب يشرح مؤلفه كيف ردّت مختلف البلدان على الأزمة الغذائية الجديدة، ويبيّن كيف أن الإجابات لم تكن مشجعة ذلك أنها لم تغيّر طريقة «إنتاج» و«نقل» الأغذية. وتبقى مسألة تأمين التغذية ل5,6 مليارات من البشر اليوم، وأكثر من هذا العدد بمئات الملايين في المستقبل القريب أمرا مطروحا، وقراءة هذا الكتاب قد تكون مهمة جدا في هذا السياق.

عدم التجديد

حتى فترة قريبة من الزمن كان الاقتصاد الغذائي نشاطا ممتازا. وقد عرف القسم الأعظم من القرن الماضي ـ العشرين ـ وفرة غذائية على المستوى الكمي وانخفاض سعرها . لكن الأزمة استجدت في مطلع هذا القرن الحادي والعشرين. وتتم إعادتها إلى أسباب عديدة، وفي مقدمتها عدم«التجديد» ومواكبة العصر، ويعتقد بول روبرتس أنه عندما تُرسي أية منظومة دعائمها ويتم استثمار الكثير من الأموال فيها تصبح القوى الفاعلة كلها مترددة حيال أي تغيير. " عن البيان 27/7/2008 "

رد مع اقتباس
  #8  
قديم 06-04-09, 01:57 مساء
مضر الحمراء مضر الحمراء غير متواجد حالياً
مشارك
 
تاريخ التسجيل: Oct 2003
المشاركات: 3,562
فاو تحذّر من نضوب رخويات «خيار» البحر


تشكل مادة غذائية رئيسة وتدخل في صناعات صيدلانية وتجميلية...


أعلنت منظمة الأغذية والزراعة (فاو)، أن «أرصدة خيار البحر» تتعرض لضغوط في المحيطات كلها، إذ لاحظت في تقرير أن الأصناف ذات القيمة التجارية «نضبت منها فعلاً». وترزح أرصدة هذا الغذاء البحري لـ «ضغوط صيد كبيرة في معظم بلدان إفريقيا وفي إقليمي المحيطين الهندي والهادي، وتوشك على النضوب في معظم مناطق نموه».
ويمثّل خيار البحر لكثر في العالم الغربي، الذي يطفو إلى السطح، منظراً طريفاً في يوم دافئ على الشاطئ، في حين يختلف الوضع جذرياً عبر قارة آسيا، إذ يشكّل خيار البحر منذ الأزل جزءاً لا يتجزأ من حِمية الشعوب، خصوصاً أن تسميته الشائعة أي «خيار البحر» غير دقيقة، لأنه حيوانٌ بحريّ وليس نباتاً، من فصيلة الشوكيّات البحرية التي تشمل النجميّات وقنافذ البحر والقثائيات وغيرها من الأطعمة البحرية المُستساغة والمغذّية. لذا تُصدّر بلدانٌ مثل إندونيسيا وبابوا غينيا الجديدة، والفيلبين كمياتٍ كبيرة من خيار البحر إلى الصين وأسواقٍ آسيوية أخرى سنوياً.
واعتبرت دراسة المنظمة بعنوان «خيار البحر: عرض شامل للمصايد والتجارة»، أن «النمو المتسارع لمصايد خيار البحر السمكية تلبيةً للطلب الدولي، وضع معظم أصناف هذه الثروة السمكية إزاء خطر النضوب». ولفتت إلى أن خطط إدارة مصايده «تتطلّب تطويراً بحيث تنص على إجراءات تتمثل في تحديد حصص المَصيد، وفرض حدودٍ دُنيا وعُليا للمصيد، وإغلاق المصايد في مواسم التكاثر، وفرض رقابة أفضل على حال المصايد عموماً».
ويساهم «خيار البحر» في شكل كبير في اقتصادات المجتمعات الساحلية، إذ «يُعدّ في بعض المناطق أهم مصيدٍ اقتصادي من الأنواع السمكية غير الَزعنفية المصدّرة إلى الخارج كمورد دخل، ما يُبرز ضرورة النهوض بأساليب وممارسات صيد هذا النوع وممارساته وإدارته. لكن خطط الإدارة الفاعلة لثروات خيار البحر السمكية، «ليست شائعة في مناطق كثيرة، ما يزيد من صعوبة تحجيم عمليات صيده المفرط». وعدّد تقرير «فاو» تهديداتٍ إضافيّة لخيار البحر في أنحاء العالم، بما في ذلك الاحتباس الحراري، ودمار البيئة البحرية، والصيد غير الشرعي للأسماك. وتحتل بُلدان آسيا والمحيط الهادي الصَدارة في إنتاج خيار البحر، بكميات تراوح بين 20 ألف طن سنوياً و40 ألفاً، حتّى لو ظلّت جزر غالاباغوس في إكوادور، وسيشيل في المحيط الهندي، ونيوفندلاند في كندا، بقعاً ساخنة لإنتاج هذا النوع البحري.

تطبيقات عصرية

وبغض النظر عن عمليات الغلي والتدخين، يُجفف خيار البحر كغذاء للحفظ، ويُعاد ترطيبه للاستعمال في الطهي وصُنع المُخلّلات في معظم بلدان آسيا. وبدأ استخدام هذا النوع، في فرنسا وإسبانيا، كطبقٍ منفصل أو مكمّل لأطباق رئيسة.
ويشكل مادة في الصناعات الصيدلية والتجميلية. " الحياة 6/4/2009 "
رد مع اقتباس
رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
طرق مشاهدة الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع كتابة مواضيع
لا تستطيع كتابة ردود
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
الانتقال السريع إلى


الساعة الآن 02:02 صباحاً . الزمن بتوقيت جزيرة العرب .


Powered by vBulletin Version 3.6.7
Copyright ©2000 - 2010, Jelsoft Enterprises Ltd.